يقدم رئيس التحرير نضال معلوف في هذا التحليل العميق رؤية استراتيجية للواقع السوري الراهن، متجاوزاً الخطاب العاطفي أو الترويجي، ليرسم صورة واقعية لما يصفه بـ "المرحلة الديناميكية" التي تمر بها المنطقة. ينطلق التحليل من قراءة التحولات السياسية والعسكرية الأخيرة، ليفكك ما يسمى "وهم الانتصار" ويستعرض ملامح إعادة تشكيل النفوذ الإقليمي في سوريا ودول الجوار.
التحولات الإقليمية وسوريا كـ "ورقة تفاوض"
يرى نضال معلوف أن الحالة السورية لم تعد شأناً محلياً معزولاً، بل أصبحت مرتبطة بدوائر أوسع تشمل الإقليم والقوى الدولية. ويبرز ذلك من خلال عدة نقاط استراتيجية:
تنامي النفوذ التركي:يشير معلوف إلى أن المؤتمر الصحفي الأخير لوزير الخارجية التركي هاكان فيدان مع أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني) يعكس غلبة النفوذ التركي على حساب القوى الأخرى. كما أن الإعلان عن "المجلس التنسيقي الأعلى" بين الجانبين يعد سابقة تعطي تركيا تفويضاً نظرياً لإدارة المشهد السوري.
الموقف السعودي المتغير:يحلل معلوف التوجه السعودي الجديد المتمثل في "إرخاء الحبل" لتركيا في سوريا. ويربط ذلك بحاجة السعودية لتركيا (وباكستان) لتوفير "طبقات حماية إضافية" بعد أن تيقنت دول الخليج أن الحماية الأمريكية لم تعد مضمونة، خاصة مع تجاوز إيران لـ "الخطوط الحمراء".
اتفاقية الدفاع المشترك:يصف معلوف الاتفاق العسكري بين السعودية وتركيا وباكستان بأنه تعبير عن تخوف سعودي من الواقع الحالي، ومحاولة للبحث عن مظلة أمنية جديدة في ظل التهديدات الإيرانية المستمرة للاستقرار في الخليج.
تفكيك "وهم الانتصار" وخطاب "النموذج السوري"
ينتقد نضال معلوف بشدة الخطاب الإعلامي الذي يحاول إيهام السوريين بأن ما تحقق هو "انتصار عسكري ناجز". ويصف هذا التوجه بـ (استغباء الشعوب)، موضحاً الحقائق التالية:
السلطة الوظيفية:يرى معلوف أن القوى الدولية والإقليمية لا تريد قيام "دولة حقيقية" في سوريا تمثل إرادة الشعب، بل يفضلون "سلطة وظيفية" تعمل كشركة لادارة "تركة نظام الأسد" وتقاسم النفوذ.
أكذوبة حصر السلاح:يسخر معلوف من تصريحات المسؤولين حول "نجاح النموذج السوري في حصر السلاح بيد الدولة". ويؤكد أن الواقع يشهد انفلاتاً أمنياً وانتشاراً للفصائل التي لم يتغير فيها سوى المسميات، متسائلاً كيف يمكن تصدير هذا "النموذج الكسيح" لدول مثل لبنان والعراق.
تغييب الإرادة الوطنية:الهدف من "نفش" السلطة الحالية وتصويرها كلاعب أساسي هو في الحقيقة تحييد السوريين عن تقرير مصيرهم، وجعلهم مجرد ساحة لتصفية الصراعات الدولية.
واقع دول الخليج: نهاية عصر "الملاذ الآمن"
يتطرق معلوف إلى التغيرات الجذرية في دول الخليج، معتبراً أن وضعها قد تغير "إلى الأبد". ويوضح ذلك من خلال الجدول التالي:
الميزة السابقة
الواقع الجديد (حسب التحليل)
الملاذ الآمن
تحولت إلى منطقة تحت التهديد المستمر (مسيرات، صواريخ).
الاعتماد على الحماية الأمريكية
فقدان الثقة بالضمانات الأمريكية والبحث عن حلفاء إقليميين.
الاستقرار القائم على الفائض المالي
تراجع ريعية النفط والتحول نحو فرض الضرائب، مما يعيد تعريف العلاقة بين الحاكم والمواطن.
الاستثمارات والازدهار
تأثر قطاعات السياحة والعقارات والطيران بسبب عامل "عدم اليقين" الأمني.
ملامح المرحلة القادمة: ديناميكية طويلة الأمد
يؤكد نضال معلوف أن المنطقة تعيش مخاضاً تاريخياً قد يمتد لعقود، يشبه مرحلة ما بعد سقوط الدولة العثمانية. وتتميز هذه المرحلة بـ:
غياب اليقين:لا يمكن التنبؤ بشكل الخرائط أو أنظمة الحكم المستقرة في وقت قريب.
سوريا كحلقة أضعف:ستظل سوريا تحت سياسة "النفش" والتوظيف الخارجي دون امتلاك قرار سيادي حقيقي.
الاستنزاف المستمر:أي دخول مفترض لسلطة "الشرع" في صراعات خارجية (مثل لبنان أو العراق) يعتبره معلوف "عملية انتحارية" تهدف لاستنزاف هذه القوى والقضاء عليها في الوقت المناسب.
توصيات عملية: من التنظير إلى المجالس الأهلية
في مواجهة هذا الواقع المعقد، يطرح نضال معلوف بدائل عملية للسوريين بعيداً عن انتظار الحلول الكبرى:
تشكيل المجالس الأهلية التمثيلية:يدعو معلوف السوريين لتنظيم أنفسهم في مجالس محلية (ليست بلدية تابعة للسلطة) لإدارة شؤونهم اليومية من خدمات، نظافة، أمن، وتكافل اجتماعي.
ممارسة السياسة الحقيقية:يرى أن الانتخاب والتمثيل والشفافية في هذه المجالس الصغيرة هو التدريب الحقيقي لبناء الدولة مستقبلاً.
التكافل الاجتماعي:في ظل غياب الدولة، يجب تعزيز روح الجماعة في تأمين المواد الأولية، الرعاية الصحية، ودعم الفئات الأكثر ضعفاً.
تطوير المهارات:يوجه نصيحة للجيل الجديد بضرورة تعلم مهارات تقنية وعلمية تضمن لهم الدخل والاستقلالية في ظل بيئة اقتصادية طاردة للاستثمار التقليدي.